أحمد مصطفى المراغي

59

تفسير المراغي

( فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) أي فخذ ما أعطيتك من الشريعة وهي التوراة وكن من جماعة الشاكرين لنعمتى عليك وعلى قومك ، بإقامتها بقوة وعزيمة والعمل بها ، وأداء حقوق نعمى جميعها عليك ، تنل المزيد من فضلى : « لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ » . وقد تقدم أن قلنا إن الوحي إلى الرسل أنواع ثلاثة بينهما اللّه بقوله : « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ » . والخلاصة - إن إثبات الكلام والتكليم للّه تعالى صريح في القرآن الكريم في آيات عدة لا تعارض بينها ، وأما الرؤية ففيها آيات متعارضة كقوله تعالى « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ » وقوله « لَنْ تَرانِي » وهما أصرح في النفي من دلالة قوله تعالى « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » على الإثبات فإن استعمال النظر بمعنى الانتظار كثير في القرآن وكلام العرب كقوله « هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ » وقوله : « ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً » وفي الأحاديث الصحيحة تصريح بإثبات الرؤية بحيث لا تحتمل تأويلا ، والمرفوع منها مروى عن أكثر من عشرين صحابيا ، ولم يرد في معارضتها شئ أصرح من حديث عائشة عن مسروق قال : قلت لعائشة رضي اللّه عنها يا أماه هل رأى محمد صلى اللّه عليه وسلم ربه ليلة المعراج ؟ فقالت : لقد قفّ شعري مما قلت ، أىّ أنت من : « ثلاث من حدّثكهن فقد كذب : من حدثك أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم رأى ربه فقد كذب ، وفي رواية فقد أعظم الفرية ثم قرأت : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ - وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ » ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ، ثم قرأت « وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً » ومن حدثك أنه كتم شيئا من الدين فقد كذب ثم قرأت : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ